ابن أبي الحديد

224

شرح نهج البلاغة

فإن قال قائل : فهلا حسن ظن عثمان برواية أبى بكر في مبدأ الامر فلم يكن رسولا لزوجات النبي صلى الله عليه وآله في طلب الميراث ؟ قيل له : يجوز أن يكون في مبدأ الامر شاكا ، ثم يغلب على ظنه صدقه لأمارات اقتضت تصديقه ، وكل الناس يقع لهم مثل ذلك . وها هنا إشكال آخر ، وهو أن عمر ناشد عليا والعباس : هل تعلمان ذلك ؟ فقالا : نعم ، فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس وفاطمة إلى أبى بكر يطلبان الميراث على ما ذكره في خبر سابق على هذا الخبر ، وقد أوردناه نحن ! وهل يجوز أن يقال : كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه ؟ وهل يجوز أن يقال : إن عليا كان يعلم ذلك ويمكن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه ، خرجت من دارها إلى المسجد ، ونازعت أبا بكر وكلمته بما كلمته إلا بقوله وإذنه ورأيه . وأيضا فإنه إذا كان صلى الله عليه وآله لا يورث ، فقد أشكل دفع آلته ودابته وحذائه إلى علي عليه السلام ، لأنه غير وارث في الأصل ، وأن كان أعطاه ذلك لان زوجته بعرضه أن ترث ، لولا الخبر ، فهو أيضا غير جائز ، لان الخبر قد منع أن يرث منه شيئا قليلا كان أو كثيرا . فإن قال قائل : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضه ولا أرضا ولا عقارا ودارا . قيل : هذا الكلام يفهم من مضمونه أنهم لا يورثون شيئا أصلا لان عادة العرب رب جارية بمثل ذلك ، وليس يقصدون نفى ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها ، بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئا ما على الاطلاق . وأيضا فإنه جاء في خبر الدابة والآلة والحذاء أنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله : ( لا نورث ، ما تركناه صدقة ) ولم يقل ( لا نورث كذا ولا كذا ) وذلك يقتضى عموم انتفاء الإرث عن كل شئ .